مجموعة( العرطوط )الممنوعة من النشر لـلقاص / عز الدين العامري
العرطوط
مجموعه قصصية
عز الدين العامري
الإهداء
إلى أمي
وإلى أصدقائي العراطيط الذين يغتسلون معي في نفس الجرح.
العرطوط
لم يعد يذكر متى لبس آخر بدلة , عاش طول عمره ( عرطوط بصال) ذات صباح حاول لبس (شميزه) , لكن الشميز التف حول رقبته كثعبان محاولاً خنقه ومن تلك اللحظة حلف بكرتون ثيابه , ألا يلبس شيئاً , ظل يمشي عرياناً .. في شوارع المدينة وكلما رأته الفتيات , أمطرنه باللعنات وفي قرارة أنفسهن يتمنين أن يُطلن النظر إلى عورته كان فيلسوفاً عارياً ينثر فلسفته على المارة , وحين يرى فتاة جميله يقول لها :
اخلعي ما عليك , أنا لأ أومن إلا بالجواهر فقط !! يمضي لينقل رسالته السامية إلى غيرها .. كان يؤكد فلسفته بقوله : إن الله خلقنا عرايا فلا بد أن نعيش كما خُلقنا ، وقف الجميع ضد فلسفته العارية , ويوم موته خرج الملايين في تشييعه , لم يلبسوا الأسود .. لقد خرجوا عرايا .
جسد يبحث عن رأسه
تحسس رأسه فلم يجده , لقد أصبح بلا رأس عاود الكرة مرة أخرى تلمس أنفه وأذنيه بيديه المعروقتين , لم يجد أي بروز يدل على وجود تلك الكتل اللحمية
صاح بحزن ممزوج بسخرية حادة , أين سأضع نظارتي الطبية؟ !.
خاطب نفسه بصوت لا يسمعه حتى شياطين الشياطين :
لقد عشت طوال عمري متعدد الأوجه كمنشور ثلاثي , والآن لا أملك إلا هذه الرقبة الطويلة الملعونة.
أصابته نوبة حزن شديد , أمتطت صهوة الكآبة, ظل يدلك الأوساخ من رقبته , ويقذف بها بعيداً بطريقة لا إرداية.
اهتدى أخيراً إلى البحث عن رأسه في المرافق العامة , طبطب على رقبته بانفعال شديد انطلق بخطى متثاقلة إلى لوحة لم يعد مكتوبا فيها إلا ( الشر) أما باقي ( الشرطة في خدمة المجتمع ) فقد أكلتها الأرضة . حين دلف إلى تلك الحجرات المظلمة , وجد رأسة هناك موقوفاً بتهمة التفكير في الشارع العام .
تلصص
(1)
تتلفت يمنة ويسرة .. التَلَفُتُ وحده سيشكل حائطاً صلباً يمنع عنك عيون المارة المفتوحة على مصراعيها ، وسيعفيك من الاعتذار غير المبرر للمارين من جانبك دون أن يحسوا بك ، لا يحسوا بك . ليس لأنك غير موجود ، لكن لوجود جدار إسمنتي يفصل بينك وبينهم ، سينتابك ما ينتاب أي متلصص مثلك ، دائماً ما يطلي وجهه بمساحيق كاذبة كعدم إيذاء الآخرين لكنك حسب قناعتك المهترئة تتحسس المبررات التي تلتقطها أصابعك ، ثم بعد ذلك تذوب أمام أي امرأة عابرة.
(2)
للتلصص لذة مثيرة ، لا يعرفها إلا متلصص مخضرم مثلك ، متلصص تستهويه المؤخرات الكبيرة ، واللدنه التي تتماوج هنا وهناك ، لتحرك صخرة الشهوة داخلك ، وتجبرك على القيام بشيء خطير ، لم تقم به منذ مدة تتحرك قليلاً إلى حيث الضلال المكتوم بجانبك كصديق غلبه النوم تشتم رائحة امرأه قد تكون هناك في الشارع أو في البنايات المتراصة بغير ترتيب أو تنسيق تضع إحدى عينيك في الثقب الصغير القابع في منتصف الجدار ، لكنك لا ترى سوى خيالات كثيرة ، لنساء جميلات بملابسهن الشفافة ، خيالات لنساء لا وجود لهن إلا في عقلك الباطن المثخن بالنساء ، تشعر بالتعب فتغير عينك المتعبة ، تضع الأخرى على الثقب ، تنظر في الثقب ، وأنت منحني الظهر ، تترك أصابعك آثارها على الجدار الآيل للسقوط ، ورغم انحنائك المتعب والمؤثر على عمودك الفقري الذي تشكو منه عادة إلا أنك تواصل النظر من خلال ثقبك المحبب تتراءى لك أشياء تتحرك بالنقطة المقابلة لعينك المفتوحة والمترصدة لكل شئ قد يقع هناك
تحمر عيناك حين يتسرب إليها بعض الغبار تسحب يدك المتوسدة للجدار وتفرك عينك ثلاث فركات متتالية ، لتعيدها إلى الثقب مرة أخرى , وكمحارب عنيد لا يتسرب إليه اليأس أبدأً ، تنظر من جديد إلى النقطة المحددة ، موهماً نفسك التواقة إلى ظل امرأة ، بأنك ستجد مبتغاك هذه المرة كما تفعل دائماً لكنك لا تجد سوى اللا شئ تهمس - سأستريح قليلاً.
تجلس واضعاً مؤخرتك على الأرضية الأسمنتية البارده فتشعر بخدر يتسلق جسدك الهزيل تتساءل : يا ترى كم الوقت الآن ؟
لا يهم ، ترد على نفسك ببرود ، ربما تسرب عليك من إحدى الثقوب الموجوده في جسدك.
(3)
……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….،
……….، ……….، ……….، ……….،
(4)
ترى .. أو بالأصح تتراءى لك أشياء كثيرة ، ومع ذلك تتعامى عن النظر إلى نفسك ، وعن كونك مجرد ( متلصص ) بليد ، لا هم له سوى التهام أجساد النسوة ، بعينيه الجائعتين ، مجرد متلصص، لا يملك من الدنيا سوى عينين واسعتين فقط .
امرأة من فحم
(1)
لا أدري كم الساعة الآن , إلا إن خلو الشارع من المارة , يدل على أن الوقت متأخر , أخذت أحشو فمي بالوريقات الخضراء , وانظرالي آخر الشارع , من فوهة الدكان الصغير المكتظ بالفحم والتمباك , أخذت أوقد على مجمرتي , وأرجم عليها بعض الفحم , وأنفخ أنفخ , ولا فائدة من إشعال النار وهذا الليل يحتاج إلى نار أو امرأة
(2)
النعاس يتكئ على المداعة , وأنا ما أزال أقبل يدها الوحيدة , وأنتظر وأنتظر, والزفرات الضبابية , تشكل وجهها أمامي.
(3)
شبح يغطي فوهة الدكان , ويمرق إلى الداخل بسرعة جنونية , ويخلف الشارع وراءه وحيداً , لم أصدق عيني , إنها أتت مع أول موعد .
فقط الآن يمكنني إغلاق الجُلب المتدلي من السقف ؛ كثديِّ عجوز شمطاء , لا بل سأنتظر وأتمتع بالوجه القادم وما تبقى من ( القات ).
(4)
أخذت انزع عنها السواد وهي تساعدني في ذلك وأكومه وسط الدكان .. الأكوام تزداد وتزداد , وهي لم تتعر بعد, صحت بها .. كم من الثياب تلبسين يا بنت الـ( …) أخرجي عليك اللعنة , قذفت بأكوام الثياب بوجهي , وانتشر السواد .. أنتشر السواد .
تداعيات مثلثة لشبه منحرف
(1)
حزنك لا يتسع لقلب عجوز , أرهقه الجري خلف سراب امرأة , قتلهُ الحنين إلى دفء يشع من جسد , لا يميط اللثام عن تضاريسه جسد تسيل منه خمرة العشق , وزنابق الفتنة.
(2)
حزنك يتساوى مع اللاأشياء , ويتآلف مع شبه منحرف , هو أنت , يتعانق مع ( عشش) الفقراء , وترانيمهم الجائعة للجديد , يصافح أحلامهم الزجاجية , التي تتكسر أمامهم كل صباح , حزنك يفضي إلى كل شيء , يتحسس الأزقة الضيقة , يهرب من العمارات التي تجرح السماء , حزن لا شبيه له , يخرج أحيانا ً من تداعياتك المثلثية , ليعود إليك.
(3)
لا دواء لحزنك سوى الصبر , صبر الفقراء في البحث عن الرائحة البائتة للخبز ؛ صبر يسمو بك من شبه منحرف على ملاك من بشر .
لا دواء لحزنك سوى الرحيل أو التلاشي في متاهات البعيد …
إرحل بعيداً عن بلاد لا تخلع الحزن حين تنام , ولايهمس نهداها فيك : تعال .. تعال , تعال , إرحل عن ابتسامة نصفها ليس لك .
غادر مرافئ النسمات , الى عيون بلا محاجر , إلى قلوب تنبض بالماء , ودع حضن أمك , أو بعه إن شئت , أو استبدله بحضن متوقد لأخرى يقولون عنها مومس , المومس هي أم أيضا ولكن لعدد كبير من الرجال , أعمل ما شئت ومع هذا لا تنس الرحيل ولا تنساني سأظل هنا على هذه الأرضية الهشة ألوح لك بيدي من بعيد .
أغنية للحزن
(1)
كانت على حافة سقف منزلها القديم , والمحاط على حوافه أشواك متنوعة , من ( العلب) و( القرض) , الجبال الشاهقة تكون خلفها لوحة تشكيلية بديعة , عند تداخلها بالشمس التي تحاول لملمة أشعتها الذهبية النافرة, على امتداد القرى والحقول البعيدة ,مدت بصرها إلى البعيد , إلى البحر .. إلى حيث ذهب ولدها الوحيد وتركها , تضارب دجاجها الأربع كل مساء , تريد إدخالها الى الدوم القابع أمام بابها الخشبي , ككلب أليف تركها تصارع قلبها الذي يكاد يخترق قميص صلاتها الأبيض ويطير متجاوزاً الجبال العملاقة إلى عند ولدها ..
(2)
الليل يسحب لحافه على الجبال و(الهيج) المخيفة والبعيدة أصوات الثعالب تتردد على (الضاحات) المخيفة ومريم كلما سمعت صوت ثعلب تخرج الى ( دومها) , لتتأكد من عدم نقصان دجاجها , ولترى هل هناك ضوء سيارة قادمة قد يأتي معها ولدها الوحيد من ( عدن). ؟!!
(3)
أطلت أحداهن من شباك منزلها المقابل لمنزل ( مريم ) وقالت تخاطبها : يقولون وقعت حرب بعدن .
- منو قال ؟
- سمعتو بالراديو .
- خينا كذاب .
- الراديو ما يكذبش .
- كلكم كذابين يابنتي .
(4)
أشعل الحديث الذي دار بينها وبين جارتها (ذبالة) قلبها العجوز, وجعلها لاتبارح سقفها الترابي في الصباح , ونافذتها الجنوبية في المساء , قالت وهي تعيد ربط مصرَّها المنقش : لو يمكنني الصعود إلى رأس الجبل وأنادي بصوت عالٍ إرجع يا حبيب القلب إرجع …
تساءلت بمرارة : لكن من سيستجيب ؟ ! ليس للقنابل آذان !!
(5)
جلست أمام نافذتها متوجسة , كأنها تجلس على الجمر , دفعت بتوتر حبات مسبحتها الخشبية , وكلما انزلقت حبة من حبات المسبحة , على خيط النايلون الرقيق , تتمتم : مات , لم يمت , مات, تزداد تعابير وجهها صرامة عندما تنطق ( مات) وتنفرج أساريرها عندما تقف حبات مسبحتها على كلمة ( لم يمت) .
(6)
تحط العصافير على السقف الترابي للمنزل , تشاهدهم ( مريم ) وهم يبرغثون سقفها بحثاً عن الطعام , تبتسم مخاطبة هذه الكائنات الجميلة , (أيحين قا جوعتم )؟
تنثر عليهم بعض حبوب الدخن , ثم تضيف : كلوا خينا ابني , أحمد يكون جيعان مثلكم.
(7)
تعالت أصوات الثعالب من جديد , معلنة قدوم ليلة جديدة , و( مريم ) ما تزال تنظر إلى البعيد وحين تسمع أي حركة أمام دارها , تُسارع بالنزول إلى أسفل واضعة يدها اليمنى مقابل لهب النوارة , حتى لا تطفئها تيارات الهواء , تنزل الدرج الواحدة بعد الأخرى, ببطء شديد تنادي : أحمد واحمد ثم تفتح الباب , لكنها لاتجد أحداً , تعود الى غرفتها , تطفىء نوارتها , لكن قلبها ما يزال يشتعل .
المُقَعـــــي
(1)
الأشجار الضخمة تمر بسرعة أكبر من على جانبي السيارة و( المقعي) يبهرر بعينيه الواسعتين محاولاً ( تفكيك ) وجوه الفتيات القرويات الملطخة بالهرد وفكه السفلي يكاد تصطدم بمقود سيارته , يبتسم في بلاهة لكل أنثى أو حجر أو شجر , لم يكن يهمه لمن يرسل إبتساماته المهم أن يظل فمه الكبير مفتوحاً عن أخره , جاءه صوت من الأجسام المتلاصقة والتي تهتز كالسكارى :
-إنتبه أمامك مطبات , يقول أحد الركاب .
-الحياة مطب كبير , يجيب المقعي دون أن يلتفت ثم يضيف لا أدري لماذا تخافون من المطبات ؟!
-لأنها تجعلنا لحماً مفروماً .. يقول أحد الركاب القاعدين في الخانة الخلفية .. يتضاحك بقية الركاب لكن السيارة ما تزال تصطاد المطبات المتناثرة مخلفة وراءها كمية كبيرة من الغبار .
(2)
الرؤوس تهتز , السيارة تلتهم الطريق التهاماُ , المقعي يحرك رأسه بحركة آلية باحثاً عن ظل أنثى في هذا الطريق الترابي الطويل والممل , يُدَوّر مقود سيارته هنا وهناك يغني :
(يا ليتني عشت جمَّال .. شاعيش وارعي جمالي)
(3)
أصوات تنادي المقعي من خارج سيارته القديمة والمسرعة , لكنه لا يأبه لكل الصارخين أو الملوحين بأيديهم طالبين منه توصيلهم , تساءل لماذا أطلقوا علىَ اللقب ؟! هل لأني طيب ومتساهل مع الجميع ؟.. أم لأني أقف مبهوراً أمام الجمال .. استطرد .. آه ما أجمل الوجه القمري الذي يطل عليك من بين المزروعات الخضراء ويناجيك من شفتين صغيرتين وجميلتين .
أضاف لا أعتقد أن هناك أجمل من أن تستقبل يومك بابتسامة من وجه بشوش لكن لماذا (المقعي) قفز السؤال الى ذاكرته كالأرنب , يواصل أسئلته الكثيرة هل لأني أسامح كل فتاة جميلة لاتملك حق إيجار السيارة , إني مؤمن بان للجمال عليَّ حقاً ولا بد من دفعة ..
لا : لا أعتقد أن هذا هو السبب الخارجي هو المقياس ؟ يضيف ربما أني أخلق لنفسي المبررات الواهية وربما كان الناس على حق فيما يقولونه علي .
(4)
كان أبلهاً في تصرفاته يكتفي عند خروجه مع أي فتاةٍ بالابتسام وفتح فمه عن آخره فقط .
لم يكن يدري كيف تتبخر الكلمات الجميلة من صلعته الكبيرة عندما ينفرد بإحداهن , كان يقول الكلمات الجميلة مثل الأصدقاء , تهرب منك وقت الحاجة .
(5)
نبتت على رأسه العديد من الأسئلة المتداخلة والمتشابكة مع بعضها ,فتحت هذه الأسئلة الأرشيف الكبير لصور فتيات قريته المهردات , أنساحت الصور على جدار ذاكرته كشمع لم يبق فيها سوى جملة قصيرة تقول (المقعي قده مقعي)
الفراغ بعض منه …
أتابع آثار خطواتي على السطح الإسفلتي اللزج , يبرز لمعان المسمار الثابت في حلق الحذاء المتهالك , ليخرجني من دوامة الحزن الذي يسكنني , أدخل بين الزحام المتموج علني أجدني لكن لا أحد , أمشي عابساً ويداي مقيدتان إلى الخلف تتزاحم الأفكار السوداوية على القاعدة المتآكلة لجمجمتي , أحاول طردها ببعض أغاني أيوب إذ لا جدوى , إنها تتكاثر كالفطر , ولا علاج لها سوى المزيد من الغوص في الكتل اللحمية الملطخة للشارع , أغوص .. أغوص أغوص , أقف أمام شحات منحني الظهر , أتقاسم معه آخر ابتسامة كان يستهلكها , أتركه وحيداً مثلي بقرب ( إسكافي ) صغير ينظر إليَّ وإلى حذائي العجوز , يناديني - حذاؤك بحاجة إلى إصلاح – أجيبه : ليس حذائي فقط !!
الفراغ المنقوع بالضياع لا تزيله رائحة العرق المتسربة من الأجساد المتزاحمة , تجرني قدماي خلف باصات الأجرة كأني أحد مخلفات عوادمها , أقطع الطريق الطويل الى الجهة المقابلة , أشهد رجل المرور بزيه الأزرق الجديد وهو يوزع الفتيات حسب درجة الجمال , الجميلة إلى هذه الجهة .. والتي دائماً ما تكون قريبة منه - وما دونهن من يكسوهن بعض الشحوب يرسلهن بعيداً .. بعيداً أتابع سيري والضياع ينخر كل زوايا جسدي الهزيل . أغني بصوت جهوري (غيرنا هم اللي عاشوا وإحنا بس الضائعين) الغناء لم يعد يجدي , لم يعد يجدي …
وحشة قاتلة تلتهم ماتبقى من الروح – الجسد:
كم أنا بحاجة الى ابتسامة كاملة أكون مضطراً إلى تقاسم نصفها مع آخر, ابتسامة تذيب قوالب الوحشة وخطايا الوجه العبوس , أكون مصدرها , تضيء كل زوايا النفس التي قتلها الضياع , حيث الفراغ بعض منه … !!
مجموعة( العرطوط )الممنوعة من النشر لـلقاص / عز الدين العامري
العرطوط
مجموعه قصصية
عز الدين العامري
الإهداء
إلى أمي
وإلى أصدقائي العراطيط الذين يغتسلون معي في نفس الجرح.
العرطوط
لم يعد يذكر متى لبس آخر بدلة , عاش طول عمره ( عرطوط بصال) ذات صباح حاول لبس (شميزه) , لكن الشميز التف حول رقبته كثعبان محاولاً خنقه ومن تلك اللحظة حلف بكرتون ثيابه , ألا يلبس شيئاً , ظل يمشي عرياناً .. في شوارع المدينة وكلما رأته الفتيات , أمطرنه باللعنات وفي قرارة أنفسهن يتمنين أن يُطلن النظر إلى عورته كان فيلسوفاً عارياً ينثر فلسفته على المارة , وحين يرى فتاة جميله يقول لها :
اخلعي ما عليك , أنا لأ أومن إلا بالجواهر فقط !! يمضي لينقل رسالته السامية إلى غيرها .. كان يؤكد فلسفته بقوله : إن الله خلقنا عرايا فلا بد أن نعيش كما خُلقنا ، وقف الجميع ضد فلسفته العارية , ويوم موته خرج الملايين في تشييعه , لم يلبسوا الأسود .. لقد خرجوا عرايا .
جسد يبحث عن رأسه
تحسس رأسه فلم يجده , لقد أصبح بلا رأس عاود الكرة مرة أخرى تلمس أنفه وأذنيه بيديه المعروقتين , لم يجد أي بروز يدل على وجود تلك الكتل اللحمية
صاح بحزن ممزوج بسخرية حادة , أين سأضع نظارتي الطبية؟ !.
خاطب نفسه بصوت لا يسمعه حتى شياطين الشياطين :
لقد عشت طوال عمري متعدد الأوجه كمنشور ثلاثي , والآن لا أملك إلا هذه الرقبة الطويلة الملعونة.
أصابته نوبة حزن شديد , أمتطت صهوة الكآبة, ظل يدلك الأوساخ من رقبته , ويقذف بها بعيداً بطريقة لا إرداية.
اهتدى أخيراً إلى البحث عن رأسه في المرافق العامة , طبطب على رقبته بانفعال شديد انطلق بخطى متثاقلة إلى لوحة لم يعد مكتوبا فيها إلا ( الشر) أما باقي ( الشرطة في خدمة المجتمع ) فقد أكلتها الأرضة . حين دلف إلى تلك الحجرات المظلمة , وجد رأسة هناك موقوفاً بتهمة التفكير في الشارع العام .
تلصص
(1)
تتلفت يمنة ويسرة .. التَلَفُتُ وحده سيشكل حائطاً صلباً يمنع عنك عيون المارة المفتوحة على مصراعيها ، وسيعفيك من الاعتذار غير المبرر للمارين من جانبك دون أن يحسوا بك ، لا يحسوا بك . ليس لأنك غير موجود ، لكن لوجود جدار إسمنتي يفصل بينك وبينهم ، سينتابك ما ينتاب أي متلصص مثلك ، دائماً ما يطلي وجهه بمساحيق كاذبة كعدم إيذاء الآخرين لكنك حسب قناعتك المهترئة تتحسس المبررات التي تلتقطها أصابعك ، ثم بعد ذلك تذوب أمام أي امرأة عابرة.
(2)
للتلصص لذة مثيرة ، لا يعرفها إلا متلصص مخضرم مثلك ، متلصص تستهويه المؤخرات الكبيرة ، واللدنه التي تتماوج هنا وهناك ، لتحرك صخرة الشهوة داخلك ، وتجبرك على القيام بشيء خطير ، لم تقم به منذ مدة تتحرك قليلاً إلى حيث الضلال المكتوم بجانبك كصديق غلبه النوم تشتم رائحة امرأه قد تكون هناك في الشارع أو في البنايات المتراصة بغير ترتيب أو تنسيق تضع إحدى عينيك في الثقب الصغير القابع في منتصف الجدار ، لكنك لا ترى سوى خيالات كثيرة ، لنساء جميلات بملابسهن الشفافة ، خيالات لنساء لا وجود لهن إلا في عقلك الباطن المثخن بالنساء ، تشعر بالتعب فتغير عينك المتعبة ، تضع الأخرى على الثقب ، تنظر في الثقب ، وأنت منحني الظهر ، تترك أصابعك آثارها على الجدار الآيل للسقوط ، ورغم انحنائك المتعب والمؤثر على عمودك الفقري الذي تشكو منه عادة إلا أنك تواصل النظر من خلال ثقبك المحبب تتراءى لك أشياء تتحرك بالنقطة المقابلة لعينك المفتوحة والمترصدة لكل شئ قد يقع هناك
تحمر عيناك حين يتسرب إليها بعض الغبار تسحب يدك المتوسدة للجدار وتفرك عينك ثلاث فركات متتالية ، لتعيدها إلى الثقب مرة أخرى , وكمحارب عنيد لا يتسرب إليه اليأس أبدأً ، تنظر من جديد إلى النقطة المحددة ، موهماً نفسك التواقة إلى ظل امرأة ، بأنك ستجد مبتغاك هذه المرة كما تفعل دائماً لكنك لا تجد سوى اللا شئ تهمس - سأستريح قليلاً.
تجلس واضعاً مؤخرتك على الأرضية الأسمنتية البارده فتشعر بخدر يتسلق جسدك الهزيل تتساءل : يا ترى كم الوقت الآن ؟
لا يهم ، ترد على نفسك ببرود ، ربما تسرب عليك من إحدى الثقوب الموجوده في جسدك.
(3)
……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….، ……….،
……….، ……….، ……….، ……….،
(4)
ترى .. أو بالأصح تتراءى لك أشياء كثيرة ، ومع ذلك تتعامى عن النظر إلى نفسك ، وعن كونك مجرد ( متلصص ) بليد ، لا هم له سوى التهام أجساد النسوة ، بعينيه الجائعتين ، مجرد متلصص، لا يملك من الدنيا سوى عينين واسعتين فقط .
امرأة من فحم
(1)
لا أدري كم الساعة الآن , إلا إن خلو الشارع من المارة , يدل على أن الوقت متأخر , أخذت أحشو فمي بالوريقات الخضراء , وانظرالي آخر الشارع , من فوهة الدكان الصغير المكتظ بالفحم والتمباك , أخذت أوقد على مجمرتي , وأرجم عليها بعض الفحم , وأنفخ أنفخ , ولا فائدة من إشعال النار وهذا الليل يحتاج إلى نار أو امرأة
(2)
النعاس يتكئ على المداعة , وأنا ما أزال أقبل يدها الوحيدة , وأنتظر وأنتظر, والزفرات الضبابية , تشكل وجهها أمامي.
(3)
شبح يغطي فوهة الدكان , ويمرق إلى الداخل بسرعة جنونية , ويخلف الشارع وراءه وحيداً , لم أصدق عيني , إنها أتت مع أول موعد .
فقط الآن يمكنني إغلاق الجُلب المتدلي من السقف ؛ كثديِّ عجوز شمطاء , لا بل سأنتظر وأتمتع بالوجه القادم وما تبقى من ( القات ).
(4)
أخذت انزع عنها السواد وهي تساعدني في ذلك وأكومه وسط الدكان .. الأكوام تزداد وتزداد , وهي لم تتعر بعد, صحت بها .. كم من الثياب تلبسين يا بنت الـ( …) أخرجي عليك اللعنة , قذفت بأكوام الثياب بوجهي , وانتشر السواد .. أنتشر السواد .
تداعيات مثلثة لشبه منحرف
(1)
حزنك لا يتسع لقلب عجوز , أرهقه الجري خلف سراب امرأة , قتلهُ الحنين إلى دفء يشع من جسد , لا يميط اللثام عن تضاريسه جسد تسيل منه خمرة العشق , وزنابق الفتنة.
(2)
حزنك يتساوى مع اللاأشياء , ويتآلف مع شبه منحرف , هو أنت , يتعانق مع ( عشش) الفقراء , وترانيمهم الجائعة للجديد , يصافح أحلامهم الزجاجية , التي تتكسر أمامهم كل صباح , حزنك يفضي إلى كل شيء , يتحسس الأزقة الضيقة , يهرب من العمارات التي تجرح السماء , حزن لا شبيه له , يخرج أحيانا ً من تداعياتك المثلثية , ليعود إليك.
(3)
لا دواء لحزنك سوى الصبر , صبر الفقراء في البحث عن الرائحة البائتة للخبز ؛ صبر يسمو بك من شبه منحرف على ملاك من بشر .
لا دواء لحزنك سوى الرحيل أو التلاشي في متاهات البعيد …
إرحل بعيداً عن بلاد لا تخلع الحزن حين تنام , ولايهمس نهداها فيك : تعال .. تعال , تعال , إرحل عن ابتسامة نصفها ليس لك .
غادر مرافئ النسمات , الى عيون بلا محاجر , إلى قلوب تنبض بالماء , ودع حضن أمك , أو بعه إن شئت , أو استبدله بحضن متوقد لأخرى يقولون عنها مومس , المومس هي أم أيضا ولكن لعدد كبير من الرجال , أعمل ما شئت ومع هذا لا تنس الرحيل ولا تنساني سأظل هنا على هذه الأرضية الهشة ألوح لك بيدي من بعيد .
أغنية للحزن
(1)
كانت على حافة سقف منزلها القديم , والمحاط على حوافه أشواك متنوعة , من ( العلب) و( القرض) , الجبال الشاهقة تكون خلفها لوحة تشكيلية بديعة , عند تداخلها بالشمس التي تحاول لملمة أشعتها الذهبية النافرة, على امتداد القرى والحقول البعيدة ,مدت بصرها إلى البعيد , إلى البحر .. إلى حيث ذهب ولدها الوحيد وتركها , تضارب دجاجها الأربع كل مساء , تريد إدخالها الى الدوم القابع أمام بابها الخشبي , ككلب أليف تركها تصارع قلبها الذي يكاد يخترق قميص صلاتها الأبيض ويطير متجاوزاً الجبال العملاقة إلى عند ولدها ..
(2)
الليل يسحب لحافه على الجبال و(الهيج) المخيفة والبعيدة أصوات الثعالب تتردد على (الضاحات) المخيفة ومريم كلما سمعت صوت ثعلب تخرج الى ( دومها) , لتتأكد من عدم نقصان دجاجها , ولترى هل هناك ضوء سيارة قادمة قد يأتي معها ولدها الوحيد من ( عدن). ؟!!
(3)
أطلت أحداهن من شباك منزلها المقابل لمنزل ( مريم ) وقالت تخاطبها : يقولون وقعت حرب بعدن .
- منو قال ؟
- سمعتو بالراديو .
- خينا كذاب .
- الراديو ما يكذبش .
- كلكم كذابين يابنتي .
(4)
أشعل الحديث الذي دار بينها وبين جارتها (ذبالة) قلبها العجوز, وجعلها لاتبارح سقفها الترابي في الصباح , ونافذتها الجنوبية في المساء , قالت وهي تعيد ربط مصرَّها المنقش : لو يمكنني الصعود إلى رأس الجبل وأنادي بصوت عالٍ إرجع يا حبيب القلب إرجع …
تساءلت بمرارة : لكن من سيستجيب ؟ ! ليس للقنابل آذان !!
(5)
جلست أمام نافذتها متوجسة , كأنها تجلس على الجمر , دفعت بتوتر حبات مسبحتها الخشبية , وكلما انزلقت حبة من حبات المسبحة , على خيط النايلون الرقيق , تتمتم : مات , لم يمت , مات, تزداد تعابير وجهها صرامة عندما تنطق ( مات) وتنفرج أساريرها عندما تقف حبات مسبحتها على كلمة ( لم يمت) .
(6)
تحط العصافير على السقف الترابي للمنزل , تشاهدهم ( مريم ) وهم يبرغثون سقفها بحثاً عن الطعام , تبتسم مخاطبة هذه الكائنات الجميلة , (أيحين قا جوعتم )؟
تنثر عليهم بعض حبوب الدخن , ثم تضيف : كلوا خينا ابني , أحمد يكون جيعان مثلكم.
(7)
تعالت أصوات الثعالب من جديد , معلنة قدوم ليلة جديدة , و( مريم ) ما تزال تنظر إلى البعيد وحين تسمع أي حركة أمام دارها , تُسارع بالنزول إلى أسفل واضعة يدها اليمنى مقابل لهب النوارة , حتى لا تطفئها تيارات الهواء , تنزل الدرج الواحدة بعد الأخرى, ببطء شديد تنادي : أحمد واحمد ثم تفتح الباب , لكنها لاتجد أحداً , تعود الى غرفتها , تطفىء نوارتها , لكن قلبها ما يزال يشتعل .
المُقَعـــــي
(1)
الأشجار الضخمة تمر بسرعة أكبر من على جانبي السيارة و( المقعي) يبهرر بعينيه الواسعتين محاولاً ( تفكيك ) وجوه الفتيات القرويات الملطخة بالهرد وفكه السفلي يكاد تصطدم بمقود سيارته , يبتسم في بلاهة لكل أنثى أو حجر أو شجر , لم يكن يهمه لمن يرسل إبتساماته المهم أن يظل فمه الكبير مفتوحاً عن أخره , جاءه صوت من الأجسام المتلاصقة والتي تهتز كالسكارى :
-إنتبه أمامك مطبات , يقول أحد الركاب .
-الحياة مطب كبير , يجيب المقعي دون أن يلتفت ثم يضيف لا أدري لماذا تخافون من المطبات ؟!
-لأنها تجعلنا لحماً مفروماً .. يقول أحد الركاب القاعدين في الخانة الخلفية .. يتضاحك بقية الركاب لكن السيارة ما تزال تصطاد المطبات المتناثرة مخلفة وراءها كمية كبيرة من الغبار .
(2)
الرؤوس تهتز , السيارة تلتهم الطريق التهاماُ , المقعي يحرك رأسه بحركة آلية باحثاً عن ظل أنثى في هذا الطريق الترابي الطويل والممل , يُدَوّر مقود سيارته هنا وهناك يغني :
(يا ليتني عشت جمَّال .. شاعيش وارعي جمالي)
(3)
أصوات تنادي المقعي من خارج سيارته القديمة والمسرعة , لكنه لا يأبه لكل الصارخين أو الملوحين بأيديهم طالبين منه توصيلهم , تساءل لماذا أطلقوا علىَ اللقب ؟! هل لأني طيب ومتساهل مع الجميع ؟.. أم لأني أقف مبهوراً أمام الجمال .. استطرد .. آه ما أجمل الوجه القمري الذي يطل عليك من بين المزروعات الخضراء ويناجيك من شفتين صغيرتين وجميلتين .
أضاف لا أعتقد أن هناك أجمل من أن تستقبل يومك بابتسامة من وجه بشوش لكن لماذا (المقعي) قفز السؤال الى ذاكرته كالأرنب , يواصل أسئلته الكثيرة هل لأني أسامح كل فتاة جميلة لاتملك حق إيجار السيارة , إني مؤمن بان للجمال عليَّ حقاً ولا بد من دفعة ..
لا : لا أعتقد أن هذا هو السبب الخارجي هو المقياس ؟ يضيف ربما أني أخلق لنفسي المبررات الواهية وربما كان الناس على حق فيما يقولونه علي .
(4)
كان أبلهاً في تصرفاته يكتفي عند خروجه مع أي فتاةٍ بالابتسام وفتح فمه عن آخره فقط .
لم يكن يدري كيف تتبخر الكلمات الجميلة من صلعته الكبيرة عندما ينفرد بإحداهن , كان يقول الكلمات الجميلة مثل الأصدقاء , تهرب منك وقت الحاجة .
(5)
نبتت على رأسه العديد من الأسئلة المتداخلة والمتشابكة مع بعضها ,فتحت هذه الأسئلة الأرشيف الكبير لصور فتيات قريته المهردات , أنساحت الصور على جدار ذاكرته كشمع لم يبق فيها سوى جملة قصيرة تقول (المقعي قده مقعي)
الفراغ بعض منه …
أتابع آثار خطواتي على السطح الإسفلتي اللزج , يبرز لمعان المسمار الثابت في حلق الحذاء المتهالك , ليخرجني من دوامة الحزن الذي يسكنني , أدخل بين الزحام المتموج علني أجدني لكن لا أحد , أمشي عابساً ويداي مقيدتان إلى الخلف تتزاحم الأفكار السوداوية على القاعدة المتآكلة لجمجمتي , أحاول طردها ببعض أغاني أيوب إذ لا جدوى , إنها تتكاثر كالفطر , ولا علاج لها سوى المزيد من الغوص في الكتل اللحمية الملطخة للشارع , أغوص .. أغوص أغوص , أقف أمام شحات منحني الظهر , أتقاسم معه آخر ابتسامة كان يستهلكها , أتركه وحيداً مثلي بقرب ( إسكافي ) صغير ينظر إليَّ وإلى حذائي العجوز , يناديني - حذاؤك بحاجة إلى إصلاح – أجيبه : ليس حذائي فقط !!
الفراغ المنقوع بالضياع لا تزيله رائحة العرق المتسربة من الأجساد المتزاحمة , تجرني قدماي خلف باصات الأجرة كأني أحد مخلفات عوادمها , أقطع الطريق الطويل الى الجهة المقابلة , أشهد رجل المرور بزيه الأزرق الجديد وهو يوزع الفتيات حسب درجة الجمال , الجميلة إلى هذه الجهة .. والتي دائماً ما تكون قريبة منه - وما دونهن من يكسوهن بعض الشحوب يرسلهن بعيداً .. بعيداً أتابع سيري والضياع ينخر كل زوايا جسدي الهزيل . أغني بصوت جهوري (غيرنا هم اللي عاشوا وإحنا بس الضائعين) الغناء لم يعد يجدي , لم يعد يجدي …
وحشة قاتلة تلتهم ماتبقى من الروح – الجسد:
كم أنا بحاجة الى ابتسامة كاملة أكون مضطراً إلى تقاسم نصفها مع آخر, ابتسامة تذيب قوالب الوحشة وخطايا الوجه العبوس , أكون مصدرها , تضيء كل زوايا النفس التي قتلها الضياع , حيث الفراغ بعض منه … !!
طواسين
(1)
أنفض عني غبار الجسد وأدران الروح , أسير خلسة على أطراف أحزاني , لا أخشى عيون الواشين بل عيونك , لاشيء سوى ظلي المائل على الدوائر اللا نهائية المتفرعة من سر وجودك , وكلما أزداد في طلبك يزداد اتساع هذه الدوائر , إني أدور , أدور أفتح يدي.. على مصراعيها , أشكل صليباً كبيراً ومتحركاً يصلب عليه كل شيء سوى لقياك …
(2) سمو
إني أرتفع إلى أعلى , أعبر نافذة الكون , أطرافي تتحول إلى أجنحة صغيرة وملونة تحملني إلى هناك … إلى حيث أنت .
(3) ما حدث في السماء الأولى
- من أنت ؟
- لايهم .
- إذا ً ماذا تريد ؟!
- أبحث عنك منذ خلقت .
- إنه الحب إذاً
- بل أكبر .
- عد من حيث أتيت ففي قلبك الصغير كل ما تريده .
(4) فراغ
صدري يضيق – على الرغم من وجودك فيه – الأكسجين يقل , اللهاث المتصاعد ينزلق في الفراغ المتمادي وأنا ما أزال أردد اسمك ..
(5) عودة
- من أعادك؟!
- جاذبيتك .
- من أنت ؟ !
- خربشات قلقة على صفحات هذا الكون , أنا من تاه في كل الاتجاهات وتحمل هذا الصقيع لأجلك …
- هل أنت شاعر ؟؟
-أنت قصيدتي اليتيمة .
- أنت مجنون إذاً ؟
- بك فقط .
- ما أشقاك .
- بل ما أسعدني .
علامات لسراب التعجب
امنحيني ظل علامة تعجب واحدة أرتدفها في حلي وترحالي , أكره الاستفهام العجوز المنحني الظهر , الذي يقف دائماً على باب الحرف ذليلاً ينتظر خروجك من إحدى ردهات نغماته المدهشة وحيدين وبعيدين عن ( الكومة) أو أي ثلاث نقاط متتالية ……….
(غطي قوسه في شرايين الشفق خشب القوس احترق لما مسه) ……………
كم أكره هذه الكومة البليدة التي ……….
ومع أنها مقلوبة إلا أنها تريد تنظيم الكون كله
………………..؟
لاعلامة استفهام أخرى , هل تفهمين ؟
ما أوحش هذه التي تلح عليك وتجعلك تغرسين أظافر شهقاتك …
على الرأس (المثقل ), فلا تنبت إلا العقم ……….
كل ما أطلبه هو علامة تعجب واحدة …
…….. ؟
لن أجازف وأقول أتوكأ عليها وأهش بها على أسئلة العشق .
التي تومض في عينيك .. مع حبي للمجازفة .
لكن ما تملي عليَّ أخلاق العشق منحك ( !!!!!!!)
……………….. ؟
مرة أخرى ترفضين منحها …
لكن سأمنحك ثلاث علامات لا تمنح إلا لك ………
أتمنى أن نكون نقطتين فوق بعض في زاوية صفحة بيضاء بنا .. لا كما تتمنين أنت سطرين متوازيين لا يجتمعان إلا بعد نوم الجميع ..
ليكن معك أدوات أخرى غير علامات الاستفهام أو الاستسلام أي شيء جملة فعلية أو حتى حرف من حروف الرفع أو أي حرف من الحروف الصغيرة والمقهورة حتى ولو أمكن حرف جر يظل طوال يومه ينتظر على قارعة اللغة مايمكن أن يجره ليفوز بحق ( القات ) ………………….
إن هذه الحروف الصغيرة والثملة ( الواو ) تملك من العطف مالايمتلكه أحد حتى أنت ومع ذلك تنزوي بعيداً حتى أننا نعتقد أنه لا عمل لها سوى النوم تحت ظلال الحروف الكبيرة منتظرة مصيرها المحتوم ..كم هي مسحوقة هذه الحروف مثلنا !
- ماذا تريد ؟
- بوسعي يا حبيبتي الإجابة عن هذا السؤال , لكن ماذا لو تحركينه قليلاً ليشملنا معاً.
- ماذا نريد ؟
- أن نكون ما نريد؟
- لا أفهم .
- أن نكون فعلين مبنيين جيداً ولا يدلان إلا على المستقبل .
- أي مستقبل هذا
…………………………؟
كم أنت متفائل هذا الصباح !!
لوكنــــدة
في الركن المظلم من اللوكندة جلس ( حسن ) يقطف بإصبعه المتسخة أوراق قاته الخضراء ويحشو بلكونة خده الأيمن بها وما أن يطفىء سيجارته حتى يشعل أخرى , كأنه يريد أن يعقد مقارنة متواصلة بين الدخان المتصاعد وبين أيامه , فمه الممتلىء بالمزيد من الأوراق الخضراء المتكومه أمامه , الأوراق وحدها تمنع شريط ذكرياته من الانقطاع وربما كذلك هي التي تحضر له حبيبته الى مقامه هذا ليس قبل أن يقوم منه ,بل قبل إن يرتد إليه طرفه , وهو القابع في هذه المدينة البعيدة عن قريته ولأول مرة , لقد قيل له إن في هذه المدينة الكثير من الأعمال , قال لنفسه سيعمل ويعمل حتى يتسنى له الزواج من حبيبة القلب ولكن لا فائدة هاهو منذ وصوله الى هذه المدينة لم يجد أي عمل وإن وجد أي عمل ليوم أويومين يحاول به دفع إيجار اللوكندة المتراكم .. لذلك لم يستطع أن يجمع أي قدر من المال , ولم يستطع الرجوع إلى قريته , والتمتع برؤية حبيبته التي غاب عنها بعد أن وعدها ذات ليله مقمرة أنه سيحمل معه عند عودته من المدينة لها كل ما تتمناه أي شابة مثلها , لكن كثرة الديون وخاصة لصاحب اللوكندة , حولته إلى عامل فيها , أشعل سيجارة أخرى وهو يفكر في أحلامه التي تبخرت , ناداه أحد المخزنين المتراصين على جانب اللوكندة , في سرائر حديدية متقابلة , واحد بوري يا ( حسن ) !! قطع حسن حبل أفكاره وقام من ركنه المظلم وهو يتأفف من هذا النزيل الذي يزعجه دائماً , خاطب نفسه: مالي وهذه المهنة المتعبة , إلا أنه استدرك وبسرعة وكأنه قد حضر الإجابة سلفاً : حتى أدفع أجرة نومي في هذه اللوكندة الملعونة , تساءل مرة أخرى : ألا توجد مهنة أفضل ؟! وقبل أن يجيب على نفسه المتذمرة سمع النزيل الكريه يناديه : بسرعة يا حسن , حاضر .. حاضر .. أجاب ( حسن ) بضجر , ثم اختفى في الغرفة الصغيرة المعدة لتحضير طلبات الزبائن , وأحضر للنزيل ما أراده , عاد الى ركنه المظلم , ووضع وسادة متسخة وراء ظهره , حشا فمه بغصن آخر من القات .. حدث نفسه قائلاً : لقد قالت لي أمي حين صعدت تلك السيارة الصالون القديمة ….
( أنت أكبر إخوتك , وإخوانك أيتام صغار , انتبه تنساهم ) ثم قرصتني في أذني , تحسس أذنه .
- حبة كندا ياحسن !!
ناداه نزيل أخر وهو يزيل حبات العرق المتصببة على جبينه .
- حاضر
قالها ( حسن ) : وهو يضغط على أسنانه الأمامية محاولاً إخفاء غضبه المتراكم .
- إفتح التلفزيون يا حسن ..
- واحد معسل يا حسن ..
- حبة ماء يا حسن
- يا حسن .. يا حسن ..
لماذا لا أكون مثل هؤلاء الذين يأمرون وينهون ؟ ما الفرق بينهم وبيني ؟! تساءل حسن .. وضع ماتبقى من قاته في فمه المنفوخ , أشعل سيجارة , أخذ نفساً عميقاً , ثم قفز إلى وسط اللو كندة , حيث كان النزلاء كلٌ يسبح في بحر أحلامه , صاح في وجوههم .. لن أخدم أحداً بعد الآن .. خرج من بوابة اللوكندة غاضباً والأفواه فاغرة يتساقط منها اللعاب وبقايا القات !!!
شـــــك
أصبحت الغرفة لا تطاق , لم أعد أستطيع التركيز على قراءة الجريدة التي بين يدي .. الأطفال يحتلون الغرفة , مجموعة هنا , وأخرى هناك ,إنهم أحزاب متفرقة , ومجموعة ثالثة أمام التلفزيون , تشابك أصواتهم مع صوت التلفزيون , وتمتزج محدثة ضجيجاً خانقاً …
من أين أتى هؤلاء الأطفال , إنهم ليسوا أولادي , فهم لا يشبهونني , أنظر أحدهم يشتم أخاه بلغة عربية ركيكة !
جنسيات مختلفة من الأطفال , منهم الأبيض والأسود حتى الهنود الحمر موجودون هنا , كأنني في أحد أسواق جنوب أفريقيا ! لا , لا ’ هؤلاء ليسوا أولادي , إنني لا أشعر تجاههم بأية عاطفة أبوية .. من أين جاءت بهم هذه الـ (…)؟ !
أرجوك لا تحاول معي فهم ليسوا أولادي , حيث أني لا أتكلم الإنجليزية وهؤلاء يتكلمونها , ثم أنهم – كما قلت لك سابقاً – بيض وسود وهنود حمر , وأنا لست أبيض أو أسود , ولا حتى هندياً احمر , أني أريد أن أسألك :
هل يمكن أن تكون زوجتي على علاقة بالأجانب ؟! لا .. لا يمكن أن يترك الأجانب زوجاتهم الحسان , ليعشقوا هذه السخيفة التي تشبه ( أحدب نوتردام ) !!
-………………………….. ؟
- لا لست مجنونا ً ولا سكران أنا بكامل قوايّ العقلية .. ثم إني أريد أن أسأل : هل لثلاث سنوات من الزواج يمكن أن تعطي درزن من الأولاد ؟! أي بمعدل أربعة كل سنة ؟! إن هذا هو(الجنون) ثم هل لعمل زوجتي علاقة بذلك ؟!
- ما دخل العمل ؟ وهل من تعمل تلد أكثر ؟!
-إنها تعمل سكرتيرة في أحدى الشركات الأجنبية
- هل تريد القول إنها….. قاطعته :
- نعم , وألا ما معنى أن يتكلم الأطفال الإنجليزية والفرنسية , ولا يجيدون العربية ؟!
- لا توجد أجوبة لهذه الأسئلة الصعبة .. ثم نهض صاحبي وودعني قائلاً :
- إلى اللقاء ..
- إذا وجدت من يريد أطفالاً أرسله إلى هنا, علماً بأن سعر الطفل الأشقر ضعف سعر إخوته الآخرين .
وقبل أن أكمل حديثي مع صديقي الذي لا أعرف اسمه , رعشتني زوجتي بقوة قائلة :
- قم .. قم .. إنه موعد زيارتنا لدكتور العقم , عسى أن يرزقنا الله على يديه طفلاً يملأ بيتنا . وكدت أقول لها : الغرفة مليئة بالأطفال .. لكنني خفت أن تتهمني بالسخف فلذت بالصمت .
أكمــــة
(1)
الشمس لاتصل إلينا , ولم تحاول ولو مرة واحدة الدخول إلى الأكمة , لهذا أصبحنا نعيش في ليل دائم .
(2)
الغرفة التي تحتوينا لا تتجاوز المتر في المتر , نصفها للثياب ( والدبب ) الفارغة وعلب السجائر, والجرائد .. الغرفة ( السجن) بلا حمام ولا تهوية وعلى فتحتها الوحيدة ستار عليها بعض النقوش المقلوبة كحياتنا .
(4)
كم هو جميل النظر بعيني الدودة , إنها لذة الحك على الجرح .. وضعي هذا يذكرني بكهف أفلاطون , وأنا أتصارع مع وهم الأشباح التي على الستارة , ومع حقيقة الجز مات , آه لقد سرنا حقائق .
أشباح
أشباح لا مرئية تدور حولي كأنها في كرنفال احتفالي .
إنها تضيق الدائرة علي , تكاد تخنقني , ماذا بوسعي أن أعمل , اللامرئيات تملأ الغرفة .. البيت .. المدينة ..
نظرت من الشباك المطل على الشارع الفرعي إلى الناس وهم يمرون من أمام الأشباح الشريرة بلا مبالاة ودون أن ينكروا وجودهم , أشرت لهم بإصبعي السبابة قائلاً :
- أشباح .. أشباح ولكن لا فائدة.
الأشباح تسرح وتمرح في أزقة المدينة , ولا يوجد حتى من يطلب احترام قواعد المرور , أغلقت شباكي الخشبي وأنا أتمتم ؛ - مالي وهذه الأشباح , أريد أن أرتاح ولو ليوم واحد من هذه الأشكال المتوحشة .
في أثناء نمنمتي هذه جاءني صوت من جدار غرفتي المصبوغ بأكثر من لون قائلاً وبصوت مفزع :
- ما الذي أتى بك ؟!
- وما أن سمعت هذا الصوت البغيض حتى ارتعدت فرائصي من الفجيعة وظللت لبرهة أجمع أشلاء نفسي , رددت بصوت مبحوح , إنها بيتي ..
جاءني الرد .
- لا يوجد أحد من فصيلتك هنا .
خرجت إلى الشارع أصرخ : أشباح .. أشباح..
لكن الناس كانوا واقعين تحت التأثير المغناطيسي وكلما ناديتهم يسألون بسخرية : هل شربت الدواء ؟!
- أي دواء يا ترى ؟ هل أنا مجنون ؟! أم أن السهر هو السبب ؟! هل للأشباح حقيقة ؟!
لماذا لا يراها كل الناس .. أما إذا كانت وهم فما هذه الكائنات التي أشاهدها بغرفة
نومي .
- رباه .. إني أكلم نفسي لا بد أني سوف أجن ..
لكن كيف لي أن أنكر استيلاءها على غرفتي وبعثرتها لكتبي ورائحتها الملتصقة بغرفة نومي .
الجميع لا يصدقونني فكيف يمكنني نصحهم بالابتعاد عنها ؟!
عليَّ أولاً أن أثبت أنها موجودة ؟!
الطريق يضيق .. السيارة تمرق بسرعة جنونية , الأشباح تلصق وجوهها القذرة بزجاج السيارة المهشم , فتبدو أكثر وحشية , عمارة ضخمة تقترب وتقترب , يخرج اثنان منها ويقومان بإلباسي رداء أبيض ويهمسان في أذني : هنا يمكن أن تقتنع بوجود الأشباح ..
إنكســـار
نزعت الليل الجاثم فوق جسدها الهش….وبدا بصيص الضوء يخرج من بين ثنايا ثي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |